Financing Housing1

التمويل والإئتمان وحقوق الإنسان

التمويل والإئتمان وحقوق الإنسانفى مقال اليوم سوف نعرض لعدد من الموضوعات التى قد تبدو غير مترابطة ولكن بعد قراءة المقال إلى نهايته سوف يتضح أن هناك إرتباط بين موضوعات التمويل والإئتمان من ناحية وبين القضايا السياسية من الناحية الأخرى، شأن هذا الإرتباط كشأن العلاقة بين السياسة والإقتصاد فهما يعتبران وجهان لعملة واحدة من الناحية النظرية، أما من الناحية العملية على أرض الواقع فإن المساحة المتاحة لحقوق الإنسان تمثل رابطا وجسرا للعلاقة بين السياسة والحكم الرشيد من ناحية وبين الإقتصاد والتنمية الإجتماعية كما ورد فى بنود الإعلان العالمى لحقوق الإنسان والذى برغم أنه من أقدم وثائق الأمم المتحدة إلا أنه من أهمها وأوثقها علاقة بأحداث اليوم وبإصلاح الأمم المتحدة كما تناوله مقال نشر فى هذه الجريدة بتاريخ 18 مايو 2009 بعنوان مبادرات إصلاح الأمم المتحدة.

الكساد العالمى والفساد المحلى

من علماء الإقتصاد من يعتبرون عمليات التمويل والإئتمان من أهم محفزات دفع عجلة الإقتصاد القومى ومنهم من يستدلون بما حدث فى الولايات المتحدة الأمريكية فى الشهور القليلة الماضية على أن الإنهيار الإقتصادى الأمريكى قد نجم عن تفشى الفساد فى عمليات تمويل شراء العقارات وما تبعه من هبوط عام فى جميع المؤشرات الإقتصادية ومنها إرتفاع معدلات البطالة وإرتفاع مواكب فى عدد حالات الإفلاس إلى بقية السلسلة الطويلة من مؤشرات الإنحدار الإقتصادى الأمريكى بشكل عام.

ويجب الإشارة هنا إلى المقال المنشور فى هذه الجريدة بتاريخ 12 سبتمبر 2009 بعنوان الكساد العالمى والفساد المحلى والذى كشف واحدة من حالات الفساد فى تمويل شراء العقارات فى الولايات المتحدة الأمريكية حيث قامت واحدة من مديرى بنك ولز فارجو التمويلى العملاق بالحجز على سكن عائلة تأخرت فى دفع الأقساط ثم قام البنك بوضع يده على البيت الذى يقدر ثمنه بأكثر من عشرة ملايين من الدولارات إلى هذا الحد فهذه القصة تمثل مأساة عاشها الكثير من الأمركيين الذين فقدوا بيوتهم بعد أن إستولت عليها البنوك بسبب التأخر فى دفع الأقساط ، ولكن ما حدث بعد ذلك يظهر جشع هذه البنوك وفساد القائمين عليها، فقد قامت مديرة نفس البنك بالإستيلاء على البيت لنفسها وأقامت فيه هى وأسرتها بدون أن تدفع دولارا واحدا ثمنا لهذا البيت.

التمويل والإئتمان وحقوق الإنسانالسياسة الأمريكية والإنهيار الإقتصادى

لقد نشرت العديد من الأبحاث والمقالات حول إنهيار الإقتصاد الأمريكى. فمن الباحثين من يقول بحتمية نظرية الدورة الإقتصادية ومسارها الدائم ما بين صعود ورواج يتلوه هبوط وكساد يتلوه توازن وإستقرار يتلوه صعود ورواج مرة أخرى وهكذا تدور الدورة.

ومن الباحثين من يشير إلى أن إنهيار الإقتصاد الأمريكى يمثل بداية النهاية لأمريكا كقوة عظمى ويشير إلى قرب ظهور قوى عظمى جديدة متعددة الأقطاب تشمل الصين وأوروبا المتحدة وغيرها. وبالمناسبة فقد نشرت هذه الجريدة بتاريخ 2 فبراير 2010 مقالا بعنوان أول مؤتمر قمة عربى للتنمية الإقتصادية والإجتماعية يقول فيه الكاتب: “ماذا حدث لحلم الوحدة العربية؟ دول أوروبا التى تفرقها اللغات والمذاهب والأعراق والحروب التى دارت بين شعوبها مئات السنين، هذه الدول سمت فوق كل ما يفرقها وإتحدت لتكون القوة العظمى القادمة. الدول العربية يجمعها الدين واللغة والثقافة وتاريخ الألفة بين شعوبها والمصالح الوثيقة والعدو المشترك، فمتى نسمو ونتحد لنكون القوة التى نملك مفاتحها؟.” كما نشرت هذه الجريدة بتاريخ 17 يوليو 2009 مقالا بعنوان الأمم المتحدة والتكامل الإقليمى.

وهناك فريق ثالث من الباحثيين والمحلليين السياسيين يذهبون إلى أن إنهيار الإقتصاد فى أمريكا هو ليس بداية النهاية وإنما هو بالفعل مؤشر إلى نهاية النهاية لدور أمريكا كقوة عظمى ويستدلون على ذلك بأن أمريكا فقدت مصداقيتها بالكامل منذ بداية عام 2002 حينما تحولت من دولة الحريات إلى دولة بوليسية تسمح لأجهزتها بالتجسس حتى على مواطنيها، وما واكب ذلك من مغامرات عسكرية فى أفغانستان والعراق لا يمكن الإنتصار فيها على المدى الطويل حتى لو تحققت بعض الإنتصارات الوقتية المحدودة الزمن والمساحة.

تلك المغامرات العسكرية الأمريكية الهوجاء فى عهد الرئيس بوش الإبن تبعتها عمليات إعتقال وتعذيب للمعتقليين واسعة النطاق فى السجون الأمريكية وفى سجون كثيرة حول العالم أشهرها معتقل خليج جوانتانامو بكوبا ومعتقل أبو غريب بالعراق ومازال هناك العديد من السجون الأمريكية السرية فى بلاد متفرقة منها بلاد عربية، وقد نشرت هذه الجريدة مقالا بتاريخ 26 إبريل 2009 بعنوان الأمم المتحدة ضد التعذيب.

فبعد حوادث 11 سبتمبر 2001 المؤسفة قام التيار اليمينى المتطرف الأمريكى بقيادة الرئيس بوش الإبن وتحت سيطرة نائب الرئيس تشينى ووزير الدفاع رامسفيلد بإستغلال تلك الأحداث وما نتج عنها من سخط شعبى موجه ضد العرب عامة والمسلمين خاصة فإستغلوا الفرصة لتصفية الحسابات القديمة وأولها أن يدفع صدام حسين حياته ثمنا لما زعموه من محاولة إغتيال الرئيس بوش الأب وثانيها أن يدفع شعب العراق حياة مايزيد على مليون عراقى بالإضافة إلى نفطه ثمنا لما زعموه من وجود أسلحة دمار شامل فى العراق وكلا الزعمين لا أساس له من الواقع ومع ذلك يستمر إحتلال العراق حتى يومنا هذا كما يستمر إحتلال أفغانستان بحجة محاربة الطالبان والقاعدة والإرهاب. وفى نفس الوقت تجرى محاولات تحجيم إيران وتقسيم السودان وحصار ثم تدمير غزة ويستمر المسلسل الدموى الحزين. وقد نشرت هذه الجريدة مقالا بتاريخ 30 سبتمبر 2009 بعنوان جرائم الحرب فى غزة ومقالا أخر بتاريخ 16 أكتوبر 2009 بعنوان جرائم ضد الإنسانية فى غزة ومقالا ثالثا فى نفس الموضوع بتاريخ 3 يونيو 2009 بعنوان الأمم المتحدة والسلام فى الشرق الأوسط كما نشرت هذه الجريدة بتاريخ 30 أكتوبر 2009 مقالا تحليليا بعنوان خطبة أوباما إلى الشرق الأوسط.

بناء الجسور أو بناء السور

يبدو أن هناك نوعان من أنواع التعامل مع الأحداث العالمية يمكن تشبيههما ببساطة بعقلية بناء الجسور فى مقابل عقلية بناء السور ولا أرى أن هناك ضرورة لبيان الفرق بين النمطين وإنما يكفى أن ننظر إلى العالم حولنا لنرى أن المسافات إقتربت ليصبح عالما شديد الإنفتاح على الأخر ولا يمكن فصله بأسوار سواء كانت من الحديد أو الأحجار أو كانت من عوازل لشبكات الإنترنت أو محطات الفضائيات التليفزيونية.

وهنا يتضح عقم وإفلاس منطق بناء الأسوار وخصوصا إذا إتضح أن تلك الأسوار تبنى لتعزل من يتحتم وصله بالدرجة الأولى بينما يتم التواصل مع من يجب الحذر منه ، وفى الجهة الأخرى يظهر جليا رجاحة منطق بناء الجسور المادية والمعنوية خصوصا مع من تشاركهم فى وحدة القيم والمصالح والأهداف ومنها جسور المصداقية والثقة والشفافية والأمانة مما يعيدنا إلى موضوع عمليات الإئتمان والتمويل والتى لا يتوفر فيها أى درجة من المصداقية ولا الأمانة من جانب الغالبية من البنوك فى المنطقة العربية.

كيف يحسبونها

أصبحت عمليات التمويل والإئتمان والإقراض فى المنطقة العربية أشبه بلعبة الثلاث ورقات حيث لا يمكنك أن ترى إلا ورقة واحدة من الثلاث ورقات طوال اللعبة ويتم كشف الثلاث ورقات فقط بعد نهاية اللعبة وحيث تكون قد خسرت مالك إلى المقامر المحترف الذى يدير اللعبة.

لنفرض أنك فى مصر ولنفرض أنك مقتنع برأى المفتى فى هذا الموضوع ولنفرض أنك أردت شراء سيارة جديدة وأن ثمنها 110 ألف جنيه وأنك دفعت 10 آلاف جنيه مقدما وأنك سوف تقوم بإقتراض 100 ألف جنيه من البنك بسعر فائدة قدره 10 بالمائة تسدد فى خلال 5 سنوات فإن البنك سوف يحسبها كالتالى: مبلغ القرض مضروبا فى سعر الفائدة مضروبا فى عدد سنوات السداد أى X = 10 % x 5 x 100000

الناتج يساوى 50000 جنيه وهو قيمة سعر الفائدة الذى سوف تدفعه خلال الخمس سنوات أى ما يعادل 50 بالمائة وليس 10 بالمائة كما أخبروك عند التعاقك ثم بعد ذلك يضيفون ال 50000 إلى ال 100000 ويقسمون الناتج على 60 شهر لتقدير قيمة القسط الشهرى الذى يصبح فى هذه الحالة 2500 جنيه شهريا.

وهذه الطريقة تعتبر مغالطة حسابية أو بتعبير آخر عملية نصب حسابية حيث أن الحساب الصحيح الذى يتم بإستخدام هذه الحاسبة يبين أن القسط الشهرى الصحيح هو 2125 جنيه وليس 2500 جنيه وعلى ذلك فإن إجمالى سعر الفائدة الذى يجب أن تدفعه خلال ال 5 سنوات هو 27482 جنيه وليس 50000 جنيه أى أن البنك فى هذه الحالة قد نصب عليك فى مبلغ 22518 جنيه إستولى عليها منك بدون أى حق لا سيما حق المقامر المحترف الذى يدير لعبة الثلاث ورقات.

مثل هذا النوع من التمويل منتشر فى بنوك المنطقة العربية وجميع الحكومات تعلم به ولا تفعل شيئا لتصحيحه وكما هو معروف فإنه لا توجد أجهزة رقابة حقيقية فى المنطقة العربية كما لا توجد هيئات عامة أو حتى خاصة لحماية المستهلك وفى نفس الوقت فإن الجمعيات الأهلية والمجتمع المدنى تم تحجيمها من جانب معظم حكومات المنطقة العربية فأصبحت الجمعيات الأهلية غير قادرة على القيام بدورها الإجتماعى أو الرقابى كما أن القطاع الخاص والبنوك لا تقوم بدورها الإجتماعى الوطنى وإنما تنظر فقط إلى الربح وتهتم بأن تتوسع بزيادة حجم أعمالها وزيادة نصيبها من شريحة التمويل والإقراض ولو كان ذلك على حساب المستهلك. هذه التركيبة الإستغلالية الإحتكارية إذا إستمرت سوف تؤدى إلى نفس النتيجة التى آل إليها تمويل شراء العقارات فى الولايات المتحدة الأمريكية ، كشأن أى فساد عام فإن هذه العمليات التمويلية المريبة تؤدى إلى فقد الثقة ثم الإنهيار الإقتصادى بالإضافة إلى النتائج الإجتماعية المترتبة على إنتهاك حقوف المستهلك وحقوق الإنسان. إذا لم تكن قد قرأت الإعلان العالمى لحقوق الإنسان عند بداية هذا المقال، وهو صفحتان باللغة العربية، فربما تود أن تقرأه الآن، وبعد ذلك إذا أردت أن تعرف أكثر عن الأمم المتحدة فيمكن مراجعة ميثاق الأمم المتحدة باللغة العربية.

د. محمد علاء الدين عباس مرسي

M. Alaadin A. Morsy

The UN Postunpost.net • Copyright © 2010 • All Rights Reserved

Leave a Comment

Your email address will not be published. Required fields are marked *

%d bloggers like this: